محمد أبو زهرة
1398
زهرة التفاسير
ولكن ما معنى الإمداد ؟ وهل نزل الملائكة إلى الأرض حاملين السيوف مقاتلين في صفوف المؤمنين ؟ لقد ذكر بعض الرواة أنهم نزلوا ذلك النزول ، ويكون معنى الإمداد هو الإمداد الحسى الذي يرى ويسمع ولكن ليست هذه الرواية هي المشهورة وإن الحق في الموضوع أنهم لم يروا مقاتلين ، ولا محاربين . وإذن كيف كان الإمداد ؟ الإمداد من مده بمعنى بسطه ، ثم أطلق على الزيادة في المال والقوة ، ويصح أن يطلق بمعنى الإمداد الروحي ، وليس معنى الإمداد الروحي هو تقوية العزيمة فقط ، بل معناه أن اللّه يفيض بأرواح الملائكة المطهرين ، فتكون في قلوب المؤمنين تثبتهم وتقويهم ، وتطهر نفوسهم ، وتجعلها نحو الدين ، ثم تفيض هذه الأرواح من الملائكة فتثبط المشركين وتخذلهم وتلقى الرعب في قلوبهم ، فعمل الملائكة تثبيت المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب المشركين ، ولذا قال تعالى في غزوة بدر الكبرى : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ . . . ( 12 ) [ الأنفال ] وعلى ذلك نحن نميل إلى أن نزول الملائكة نزول روحي ، والأرواح الطاهرة المطهرة تحل في قلوب أهل الحق ، إذا وجد عندهم الاستعداد لتلقيها ، والاستعداد لتلقيها يكون بالتقوى وتخليص النفس من أهوائها ، وضبط المشاعر والإحساس ، حتى يكون الجو الروحي الذي يمكن أن تنزل فيه تلك الأرواح التي هي نور خلقه اللّه تعالى ، ولذلك كان الشرط في نزول الملائكة ، وإمدادهم للمؤمنين ، أن يصبر المؤمنون جميعا ويتقوا . ولا يكون في فريق منهم ما يجعل للهوى في قلبه سبيلا فيمنعه من ذلك التلقي الروحي . وإن ذلك هو رأى الطبري فقد ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى : فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا إذ قال : ( قووا عزائمهم ، وصححوا نياتهم ، في قتال عدوهم من المشركين ، وقيل كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم ) ونرى بهذا أنه اعتبر من قال إنهم قاتلوا معهم قوله ضعيف ، ولذا عبر عنه بقيل ، وقد أنكر أبو بكر الأصم من فقهاء الحنفية قتال الملائكة ، وقرر أن ذلك إن كان فهو من أعظم المعجزات ولم يذكر قط أنه معجزة ، ولأن ملكا واحدا يكفى لدك مدائن ،